الوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب ، والحاج الماشي على رجليه. وقدم الماشي على الراكب ، وذلك في قوله تعالى {وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} .
وقد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة مستوفى ، هذا هو حاصل ما يتعلق بالمستطيع بنفسه.
وأما ما يسمونه المستطيع بغيره فهو نوعان:
الأول منهما: هو من لا يقدر على الحج بنفسه ، لكونه زمناً ، أو هرماً ونحو ذلك ، ولكنه لا مال يدفعه إلى من يحج عنه ، فهل يلزمه الحج نظراً إلى أنه مستطيع بغيره ، فيدخل في عموم {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] ؟ أو لا يجب عليه الحج ، لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه ، فلا يدخل في عموم الآية.
وبالقول الأول قال الشافعي وأصحابه. فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه بشرط: أن يجد ذلك بأجرة المثل. قال النووي: وبه قال جمهور العلماء ، منهم علي بن أبي طالب ، والحسن البصري ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وابن المنذر ، وداود. وقال مالك: لا يجب عليه ذلك ، ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه ، واحتج مالك بقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} [النجم: 39] وبقوله تعالى {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] ، وهذا لا يستطيع بنفسه ، فيصدق عليه اسم غير المستطيع وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة ، فكذلك مع العجز ، كالصلاة واحتج الأكثرون القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة.