والمفسرون يقولون: بوأه له ، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس ، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرساً ، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مزنة فاستقرت فوقه ، فكان ظلها على قدر مساحة البيت ، فحفرا عن الأساس ، فظهر لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضاً: إنه كان مندرساً من زمن طوفان نوح ، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم ، والله تعالى أعلم.
وغاية ما دل عليه القرآن: أن الله بوأ مكانه لإبراهيم ، فهيأه له ، وعرفه إياه ليبنيه في محله ، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله: حين ترك إسماعيل ، وهاجر في مكة {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم} [إبراهيم: 37] يدل على أنه كان مبنياً ، واندرس ، كما يدل عليه قوله هنا {مَكَانَ البيت} لأنه يدل على أن له مكاناً سابقاً ، كان معروفاً. والله أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} الآية متعلق بمحذوف ، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى {وَعَهِدْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [البقرة: 125] الآية فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت} وعهدنا إليه: أي أوصيناه ، أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين ، وزادت آية البقرة: أن إسماعيل مأمور بذلك أيضاً مع أبيه إبراهيم ، وإذا عرفت أن المعنى: وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئاً ، وطهر بيتي.
الآية.
فاعلم أن في"أَنْ"وجهين:
أحدهما: أنها هي المفسرة ، وعليه فتطهير البيت من الشرك ، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم: أي والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور.