وأما طواف الصَّدَر وهو المسمى بطواف الوداع فروى ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء: أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون تطوّع بعد ذلك.
وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه ، وأنه يجزيه تطوعه عن الواجب المفترض عليه من طوافه.
وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئاً تطوّع به من عمل الحج ، وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته ، فإن تطوُّعَه ذلك يصير للواجب لا للتطوع ؛ بخلاف الصلاة.
فإذا كان التطوّع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحْرَى أن ينوب عن طواف الإفاضة ، إلا ما كان من الطواف بعد رَمْي جمرة العَقَبة يوم النحر أو بعده للوداع.
ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك ؛ لأن فيها أن طواف الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهَدْي ، كما ينوب طواف الإفاضة مع السعي لمن لم يَطُف ولم يَسْعَ حين دخوله مكة مع الهدي أيضاً عن طواف القدوم.
ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف الإفاضة واجب لأن بعضهما ينوب عن بعض ، ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده على ما ذكرنا ، ولأن الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا طوافاً واحداً بقوله: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} ، وقال في سياق الآية: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف.
وأسند الطبريّ عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيراً عن قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} فقال: هو طواف الوداع.
وهذا يدل على أنه واجب ، وهو أحد قولي الشافعيّ ؛ لأنه عليه السلام رخصّ للحائض أن تَنْفِر دون أن تطوفه ، ولا يرخَّص إلا في الواجب.
الثالثة والعشرون: اختلف المتأوّلون في وجه صفة البيت بالعتيق ؛ فقال مجاهد والحسن: العتيق القديم.
يقال: سيف عتيق ، وقد عَتُق أي قَدُم ؛ وهذا قول يَعْضُده النظر.