وفي هذا رد على مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يَدّعون أنهم على دين إبراهيم، فأخبر الله تعالى أنهم قد كَذَبُوا؛ لأن إبراهيم كان موحدًا قد أوحى إليه: أن لا تشرك باللهِ شيئًا.
وقال المبرد: معنى لا تشرك باللهِ شيئًا: وحد الله كأنه قيل له: وحدني في هذا البيت.
قوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} قال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان.
وقال عبيد بين عمير: من الآفات والريب. وهذا مما سبق تفسيره في سورة البقرة.
قوله: {وَالْقَائِمِين} يعني: المصلين الذين هم قيام في صلاتهم.
27 -قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام وذكرنا ذلك عند قوله: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: 44] وقوله: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ} [يوسف: 70] وقوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 3] .
قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فصعد إبراهيم على أبي قبيس والمقام معه، ثم صاح: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام، ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار. نادى ما شاء الله من ذلك، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. من أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين على قدر ذلك. فذلك قوله: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} .
هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين إلا الحسن، فإنه قال: هذا الأمر بالتاذين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، ففعل ذلك حيث قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج.
وإنما قال: {يَأْتُوكَ} وإن كانوا يأتون الكعبة، لأن المنادي كان إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم عليه السلام، لأنه مجيب نداه. وفيه أيضا تشريف لإبراهيم حين خوطب بالإتيان.