قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْله تَعَالَى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْحَجِّ مَاشِيًا وَرَاكِبًا وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا ، وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ السَّلَفِ فِي اخْتِيَارِهِمْ الْحَجَّ مَاشِيًا وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ {أَنَّ أُمَّ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ} ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ قُرْبَةٌ قَدْ لَزِمَتْ بِالنَّذْرِ ، لَوْلَا ذَلِكَ
لَمَا أَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا هَدْيًا عِنْدَ تَرْكِهَا الْمَشْيَ.
قَوْله تَعَالَى: {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} رَوَى جُوَيْبِرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ: {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} قَالَ:"بَلَدٌ بَعِيدٌ".
وَقَالَ قَتَادَةُ:"مَكَانٌ بَعِيدٌ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْفَجُّ الطَّرِيقُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مِنْ طَرِيقٍ بَعِيدٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ:"الْعُمْقُ الذَّاهِبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالْعُمْقُ الذَّاهِبُ فِي الْأَرْضِ".
قَالَ رُؤْبَةُ: وَقَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ فَأَرَادَ بِالْعُمْقِ هَذَا الذَّاهِبَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَالْعَمِيقُ الْبَعِيدُ لِذَهَابِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَقْطَعْنَ نُورَ النَّازِحِ الْعَمِيقِ يَعْنِي الْبَعِيدَ.