ثم أخبر عن أصل ضلالتهم أنه من غاية جهالتهم، بقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] إشارة إلى أن أهل النسيان والغفلة الذين لم يبلغوا بعد مبلغ الإنسان الكامل ولا مبلغ الرجال البالغين، ومن {كَتَبَ} الله {فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] لا يعرفون الأنبياء والرسل، وما لهم عند الله من المقامات العلية والأحوال المرضية السنية، وما أنعم الله عليهم من القربات والكمالات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعدونهم من أبناء جنسهم ويحسبون أن الملائكة أعلى درجة منهم وأجل منهم منزلة عند الله، وأنهم عن معرفة رتبة الإنسان الكامل بمعزل والله جعله مسجوداً للملائكة المقربين لما أودع فيه من سر الخلافة، فيختارون الملائكة على الأنبياء كما {قَالُوا} [الإسراء: 94] متعجبين: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] .
وأرادوا بذلك أن الرسالة بالملائكة أولى وأحق حتى أجابهم الله بقوله: {قُل لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95] يشير به إلى أنه لو كان الملك مستأهلاً للخلافة في الأرض لكنا نزلنا عليهم من السماء رسولاً من الملائكة.