قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة حديثة، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن قيس ... إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه، قال: فقلت لأبي: من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه أبو لهب ... ) [29] .
ما أقسى أن يكون العدوُّ اللدود هو أقربَ الأقربين، وما أشد أن تكون العداوة من الداخل، إن العدوَّ الخارجي لا نستبعد منه العداوة واللدد، ولكن هذا هو قدر الدعوة تنال من الداخل ما تنال من الخارج، وما أشدها من حيرة حينما يكون العدو الداخلي يعمل لحساب العدو الخارجي، خصوصًا إذا كان هذا الداخلي يتسمى بأسماء المسلمين، ويدَّعي أنه هو وحده الذي يفهم، وفهمه هو الصحيح، وما عداه باطل وغريب، وتلك آفة أهل الزمان! فليوطن الداعي نفسه، ويرتِّب أوراقه، ويجهز عدته ليقف صابرًا واثقًا صُلبًا في وجه تلك التيارات المعادية للدعوة إلى الله تعالى، يفندها ويرد عليها بذكاء، ويبطلها بعلم، ويواجهها بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل الآخر بالتي هي أحسن.
المرحلة الرابعة الهجرة إلى المدينة:
وكلما ضاقت واشتدت واستحكمت كان الفرَجُ قريبًا، ومهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر، وكان المنتظر أو المتوقع أن تكون الثمرة في مهد الدعوة وأرضها، ولكن العجيب أن الثمرة كانت حيث أراد الله تعالى لها، كانت في يثربَ أرضِ الخير والبركة، أرض الكرم والنصرة؛ لنعلم أن على الداعية أن يعمل ويدعو، ويبذل الجهد، ويقدم التضحيات، ويأخذ بكل أنواع الأسباب والأساليب، والنتائج لا يملِكها إلا الله عز وجل، ونحن لسنا إلا دعاة وأداة ومجاهدين من أجل الدعوة، أما الهداية والفتح فبِيَدِ الله وحده، وهذا درس للدعاة إلى آخر الزمان.