قُلْ: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي إن القول الفصل بيني وبينكم، وإقامة الحجة الدامغة عليكم أن الله شاهد علي وعليكم، وحكم بيني وبينكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة 69/ 44 - 46] وقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الأنعام 6/ 21] .
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي إن الله سبحانه عليم بأحوال عباده، يعلم ظواهرهم وبواطنهم، وخبير بمن يستحق الهداية، ممن يستحق الضلالة، مطلع على ما في قلوبهم، فهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا حسدا وحبا للزعامة، وإعراضا عن قبول الحق. وفي ذلك تهديد ووعيد، وإيناس للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما يلقاه من صدود قومه وعنادهم.
ثم يخبر الله تعالى عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، فقال:
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ .. أي من يهده الله للإيمان فهو المهتدي إلى الحق، ومن يضلل الله، فلن تجد لهم أنصارا يهدونهم من دون الله إلى الحق والصواب.
والمقصود إيناس الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فمن سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية،
لعلمه السابق بأنهم صائرون لذلك لميل نفوسهم إلى الحق، وجب أن يصيروا مؤمنين لأن علم الله لا يتغير، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل، لما علم الله منهم سوء الاختيار، والإصرار على الغواية والضلال، استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، كما قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف 18/ 17] .