قوله تعالى: {قُل} أمر من الحق سبحانه وتعالى أنْ يقولَ لأمته هذا الكلام ، وكان يكفي في البلاغ أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي.. لكن النبي هنا يحافظ على أمانة الأداء القرآني ، ولا يحذف منه شيئاً ؛ لأن المتكلم هو الله ، وهذا دليلٌ على مدى صدق الرسول في البلاغ عن ربه.
ومعنى {خَزَآئِنَ} هي ما يُحفظ بها الشيء النفيس لوقته ، فالخزائن مثلاً لا نضع بها التراب ، بل الأشياء الثمينة ذات القيمة.
ومعنى: {خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي..} [الإسراء: 100] أي: خَيْرات الدنيا من لَدُن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة ، وإنْ من شيء يحدث إلى قيام الساعة إلا عند الله خزائنه ، فهو موجود بالفعل ، ظهر في عالم الواقع أو لم يظهر: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] أي: أنه موجود في عِلْم الله ، إلى حين الحاجة إليه.
لذلك لما تحدَّث الحق سبحانه عن خلق الآيات الكونية في السماء والأرض قال: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 9 - 10]
نلاحظ أن قوله تعالى {وَبَارَكَ فِيهَا} جاءت بعد ذِكْر الجبال الرواسي ، ثم قال: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا..} [فصلت: 10] كأن الجبال هي مخازن القوت ، وخزائن رحمة الله لأهل الأرض. والقوت: وهو الذي يتمّ به استبقاء الحياة ، وهذا ناشئ من مزروعات الأرض ، وهذه من تصديقات القرآن لطموحات العلم وأسبقية إخبار بما سيحدث ، فهاهو القرآن يخبر بما اهتدى إليه العلم الحديث من أن العناصر التي تُكوّن الإنسان هي نفس عناصر التربة الزراعية التي نأكل منها.