ثم بين - سبحانه - أن مرجع الأمور كلها إليه، فهو المعطى وهو المانع، فقال - تعالى -: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً.
أي: إن ربك - أيها الإنسان - العاقل - يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء أن يبسطه له ويمسك الرزق ويضيقه ويقدره على من يشاء من خلقه. إذ كل شيء في هذا الكون يسير على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته، وهو - سبحانه - العليم ببواطن الناس وبظواهرهم، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، ولا يعطى أو يمنع، إلا لحكمة هو يعلمها.
قال - تعالى -: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حضت على إيتاء ذوى القربى والمساكين وابن السبيل حقوقهم. وعلى الاعتدال في إنفاق المال، ونهت عن الشح والتبذير، وأسندت العطاء والمنع إلى الله - تعالى - الخبير البصير بالظواهر والبواطن.
ثم يسوق - سبحانه - جملة من النواهي التي يؤدى الوقوع فيها إلى فساد أحوال الأفراد والجماعات، وإلى شيوع الفاحشة في الأمم، مما يؤدى إلى اضمحلالها وذهاب ريحها، فقال - تعالى -:
[سورة الإسراء (17) : الآيات 31 إلى 39]
(وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً(31)
وقوله - سبحانه -: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ... نهى عن قتل الأولاد بعد بيان أن الأرزاق بيده - سبحانه - ، يبسطها لمن يشاء، ويضيقها على من يشاء.
والإملاق: الفقر. يقال: أملق الرجل إذا افتقر قال الشاعر:.
وإنى على الإملاق يا قوم ماجد ... أعد لأضيافى الشواء المصهبا
قال الآلوسي: وظاهر اللفظ النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد، ذكورا كانوا أو إناثا مخافة الفقر والفاقة.
لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة العجز عن النفقة عليهن، فنهى في الآية عن ذلك، فيكون المراد بالأولاد البنات، وبالقتل الوأد .. .