ثم يقول تعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً الْعَهْدَ ما تعاقد الإنسان عليه مع غيره عقداً اختيارياً يلتزم هو بنتائجه ومطلوباته ، وأول عقد أُبرٍمَ هو العَقْد الإيماني الذي أخذه الله تعالى علينا جميعاً ، وأنت حُرٌّ في أن تدخل على الإيمان بذاتك مختاراً أو لا تدخل ، لكن حين تدخل إلى الإيمان مُخْتاراً يجب أن تلتزم بعهد الإيمان ؛ لأن الله لا يريد منّا قوالب تخضع ، ولكن يريد مِنّا قلوباً تخشع ، ولو أراد الله منّا قوالب تخضع ما استطاع واحد مِنّا أنْ يشذّ عن الإيمان بالله.
لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله:
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4]
فالله لا يريد أعناقاً ، وإنما يريد قلوباً ، لكن يخلط كثير من الناس إنْ أمرته بأمر من أمور الدين فيقول: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..} [البقرة: 256]
نقول له: أنت لم تحسن الاستدلال ، المراد: لا إكراه في أنْ تدخل الدين ، ولكن إذا دخلتَ فعليك الالتزام بمطلوباته.
ومن باطن هذا العهد الإيماني تنشأ كل العقود ، لذلك يجب الوفاء بالعهود ؛ لأن الوفاء بها جزء من الإيمان ، فأنت حُرٌّ أن تقابل فلاناً أولا تقابله ، إنما إذا عاهدتَه على المقابلة فقد أصبحتَ مُلْزماً بالوفاء ؛ لأن المقابل لك قد رتَّبَ نفسه على أساس هذا اللقاء ، فإنْ أخلفتَ معه العهد فكأنك أطلقتَ لنفسه حرية الحركة ، وقيَّدتَ حركة الآخر.
وهذه صفة لا تليق أبداً بالمؤمنين ، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين.
وقوله: إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً { [الإسراء: 34]
قد يكون المعنى: أي مسئولاً عنه ، فيسأل كل إنسان عن عهده أوفَّى به أم أخلفه؟