ثم يقول تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.. { [الإسراء: 34]
أي: حتى يكبر ويبلغ مبلغ الرجال ، ولكن هل هذه الصفة كافية لكي نُعطِي لليتيم ماله وقد بلغ سِنّ الرُّشْد والتكليف؟
في الحقيقة أن هذه الصفة غير كافية لنُسلّم له ماله يتصرف فيه بمعرفته ؛ لأنه قد يكون مع كِبَر سِنّه سفيهاً لا يُحسِن التصرُّف ، فلا يجوز أن نتركَ له المال لِيُبدّده ، بدليل قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ..} [النساء: 6]
وقال في آية أخرى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]
ولم يقل: أموالهم ، لأن السفيه ليس له مال ، وليس له ملكية ، والمال مال وليه الذي يحافظ عليه ويُنمّيه له.
إذن: فالرُّشْد وهو سلامة العقل وحُسْن التصرُّف ، شرط أساسي في تسليم المال لليتيم ؛ لأنه أصبح بالرُّشْد أهْلاً للتصرُّف في ماله.
وكلمة: أَشُدَّهُ.. { [الإسراء: 34] أي: يبلغ شِدّة تكوينه ، ويبلغ الأشدّ أي: تستوي ملكاته استواءً لا زيادة عليه ، فأعضاء الإنسان تنمو وتتربى مع نموه على مَرِّ الزمن ، إلى أن يصل سِنّ الرشد ويصبحَ قادراً على إنجاب مثله ، وهذه سِنّ الأشُدّ أي: الاستواء.
لذلك أجَّلَ الله تعالى التكليف للإنسان إلى سِنِّ البلوغ ؛ لأنه لو كلَّفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ بعد التكليف لاحتجَّ بما طرأ عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف.