ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي يا ذرية من حملنا مع نوح عليه السلام فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً في السراء والضراء، والشكر مقابلة النعمة بالثناء على المنعم اعتقادا وقولا وحالا، والخطاب إما لبني إسرائيل أصلا وتخاطب به هذه الأمة تبعا، أو الخطاب لهذه الأمة مباشرة، فبعد أن حدّثها الله عن آية الإسراء، وعما أنزل الله من آياته على موسى عليه السلام خاطبها مطالبا إياها بالشكر.
قال ابن كثير في تفسيرها: فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلّى الله عليه وسلّم وقال النسفي: وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم، وآية رشد الأبناء صحة الافتداء بسنة الآباء إذا كانت حقا وصوابا، وقد عرفتم حال الآباء هنالك، فكونوا أيها الأبناء كذلك.
كلمة في السياق: [حول مضمون المقدمة وصلتها بالمحور]
(هذه مقدمة السورة وفي الإشارة إلى ما منّ الله به على محمد صلّى الله عليه وسلّم بالإسراء، وما منّ
به على موسى عليه السلام في التوراة. وفي الإشارة إلى مقام الشكر عند نوح ما يدلنا منذ البداية على اتجاه السورة.
النعمة تقتضي شكرا فإذ يقص الله بعدها علينا ما عاقب به بني إسرائيل لكفرهم، فإنه يعرفنا بذلك على سنته فيمن لم يشكر. وفي ذلك تربية لهذه الأمة التي سيعطيها الله بيت المقدس وما حوله، والتي أنزل عليها كتابا هاديا، وأرسل لها رسولا بالآيات ألا تكفر النعمة فتسلب. وكفرانها بالنعمة إنما هو بكفرها بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وكفرها بدينه، وعدم التزامها بشريعته، ونحن الآن - سلبت منا فلسطين، وذهبت القدس - ندرك حكمة التحذير في هذه الآيات وما بعدها، ونعرف طريق الخروج مما نحن فيه.
في قوله تعالى في ابتداء السورة: سُبْحانَ ... إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ما يشير إلى النعمة لتشكر، وفيها إشارة إلى النقمة إن كفرت النعمة، فالله يسمع ويبصر.