والشاهد فيها أنهما حينما مرّا على قرية ، واستطعما أهلها فأبَوْا أنْ يُضيّفوهما ، وسؤال الطعام يدل على صِدْق الحاجة ، فلو طلب منك السائل مالاً فقد تتهمه بكَنْزِه ، أما إذا طلب منك رغيفاً يأكله فلا شكّ أنه صادق في سؤاله ، فهذا دليل على أنها قرية لِئَام لا يقومون بواجب الضيافة ، ولا يُقدِّرون حاجة السائل.
ومن هنا تعجَّبَ موسى - عليه السلام - من مبادرة الخِضْر إلى بناء الجدار الذي أوشك على السقوط دون أنْ يأخذ أَجْره من هؤلاء اللئام: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 77] .
وهنا يكشف الخضر لموسى حقيقة الأمر ، ويُظهِر له ما أطلعه الله عليه من بواطن الأمور التي لا يدركها موسى عليه السلام ، فيقول: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ..} [الكهف: 82] .
فالجدار مِلْك لغلامين صغيرين لا يقدران على حماية مالهما من هؤلاء اللئام ، ولأن أباهما كان صالحاً سخّر الله لهما مَنْ يخدمهما ، ويحافظ على مالهما.
إذن: فِعلّة هذا العمل أن أباهما كان صالحاً ، فأكرمهم الله من أجله ، وجعلهما في حيازته وحفظه.
وهنا قد يسأل سائل: ومن أين للغلامين أن يعلما بأمر هذا الكنز عند بلوغهما؟
والظاهر أن الخضر بما أعطاه الله من الحكمة بنى هذا الجدار بناءً موقوتاً ، بحيث ينهدم بعد بلوغ الغلامين ، فيكونان قادريْنِ على حمايته والدفاع عنه.