دليل على المبالغة في البركة ، فإنْ كان سبحانه قد بارك ما حول الأقصى ، فالبركة فيه من باب أَوْلى ، كأن تقول: مَنْ يعيشون حول فلان في نعمة ، فمعنى ذلك أنه في نعمة أعظم.
لكن بأيّ شيء بارك الله حوله؟
لقد بارك الله حول المسجد الأقصى ببركة دنيوية ، وبركة دينية:
بركة دنيوية بما جعل حوله من أرض خِصْبة عليها الحدائق والبساتين التي تحوي مختلف الثمار ، وهذا من عطاء الربوبية الذي يناله المؤمن والكافر.
وبركة دينية خاصة بالمؤمنين ، هذه البركة الدينية تتمثل في أن الأقصى مَهْد الرسالات ومَهْبط الأنبياء ، تعطَّرَتْ أرضه بأقدام إبراهيم وإسحق ويعقوب وعيسى وموسى وزكريا ويحيى ، وفيه هبط الوحي وتنزلتْ الملائكة.
وقوله: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ... { [الإسراء: 1] .
اللام هنا للتعليل.
كأن مهمة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس أن نُرِي رسول الله الآيات ، وكلمة: الآيات لا تُطلق على مطلق موجود ، إنما تطلق على الموجود العجيب ، كما نقول: هذا آية في الحُسْن ، آية في الشجاعة ، فالآية هي الشيء العجيب.
ولله عز وجل آيات كثيرة منها الظاهر الذي يراه الناس ، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيلُ وَالنَّهَارُ..} [فصلت: 37] . {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} [الشورى: 32] .
والله سبحانه يريد أن يجعل لرسوله صلى الله عليه وسلم خصوصية ، وأن يُريه من آيات الغيب الذي لم يَرَهُ أحد ، ليرى صلى الله عليه وسلم حفاوة السماء به ، ويرى مكانته عند ربه الذي قال له: {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] .
لأنك في سَعة من عطاء الله ، فإن أهانك أهل الأرض فسوف يحتفل بك أهل السماء في الملأ الأعلى ، وإنْ كنت في ضيق من الخَلْق فأنت في سَعة من الخالق.
وقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ { [الإسراء: 1] .
أي: الحق سبحانه وتعالى.