أنكرت عليه هذه الاستعارة، ولم تستحسن منه، فأرسل إليه العتابي غلاما له، ومعه قارورة وقال له: قل له: احتجنا إلى شيء من ماء الملام فابعث به إلينا في هذه القارورة، فعلم أبو تمام أنه منكر عليه، متهكم مستهزئ به فقال للغلام: ارجع إلى مولاك فقل له:
يرسل إليّ بريشة من جناح الذل، أخرجه له بها، فكان في ذلك مناظرة بالكناية شبيهة
بمناظرة القاضي عبد الجبار وأبي إسحاق المذكورة عند قوله - عز وجل: {وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ} (28) [الأعراف: 28] .
وتوجيهها: أن العتابي قال لأبي تمام: إن الملام لا ماء له فكيف استجزت استعارته؟! فقال له أبو تمام: فإن الذل لا جناح له/ [124 أ/م] فكيف استجيز استعارته في القرآن.
واعلم أن المؤاخذة على أبي تمام ليست في نفس الاستعارة، وإنما هي/ [262/ل] في حسنها وتمامها وتطبيق المفصل بها، وليست استعارته في ذلك كاستعارة جناح الذل، وبينهما بون بعيد يدرك ذلك حسا وعقلا، وإن شئت تحقق ذلك فتخيل الذل طائرا خفض جناحه، وتخيل الملام ماء في وعاء نخيل تجد الأول أسرع والنفس إليه أبدر، واستقصاء الكلام في هذا غير هاهنا.
{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (29) [الإسراء: 29] شاهد على مدح التوسط، وذم الانحراف والتطرف.