قلت: لم يتحقق الإخراج بعد نزول هذه الآية، ثم وقع بعده حيث هاجر عليه السلام بإذن الله تعالى، وكانوا قد ضايقوه قبل الهجرة ليخرج، وقوله: {وَإِذًا} ؛ أي: ولئن أخرجوك، والله {لا يَلْبَثُونَ} ؛ أي: لا يمكثون في الدنيا، أو تلك الأرض {خِلافَكَ} ؛ أي: بعد إخراجك {إِلَّا قَلِيلًا} ؛ أي: إلّا زمانًا قليلًا، وقد كان الأمر كذلك؛ فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته عليه السلام، لثمانية عشر شهرًا من ذلك التاريخ. معطوف على {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ؛ أي: لا يبقون بعد إخراجك إلا زمنًا قليلًا ثم عوقبوا عقوبة تستأصلهم جميعًا.
وقال أبو حيان: {لَا يَلْبَثُونَ} جواب قسم محذوف؛ أي: والله إن استفزوك فخرجت لا يلبثون، ولذلك لم تعمل (إذًا) لأنها توسطت بين قسم مقدر والفعل، فلا يلبثون ليست منصبة عليه من جهة الإعراب، ويحتمل أن تكون {لَا يَلْبَثُونَ} خبرًا لمبتدأ محذوف، يدل عليه المعنى تقديره: وهم إذًا لا يلبثون، فوقعت إذًا بين المبتدأ وخبره، فألغيت اهـ.
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ... (79) }
فإن قلت: ما معنى التخصيص إذا كان زيادة في حق المسلمين كما في حقه - صلى الله عليه وسلم - ؟
قلت: فائدة التخصيص: أن النَّوافل كفارات لذنوب العباد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت له نافلةً، وزيادة في رفع الدرجات.
ويجوز أن تكون {نافِلَةً} مصدرًا كالعافية والعاقبة فتكون مفعولًا مطلقًا، والمعنى فتنفل نافلة لك.
{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) }
فإن قلت: إن في خبو النار تخفيفًا لعذاب أهلها، فكيف يجمع بينه وبين قوله: {لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ} ؟
قلت: إنّ المراد بعدم التَّخفيف أنَّه لا يتخلَّل زمان محسوسٌ بين الخبو والتسعر.
وقيل: إنّها تخبو من غير تخفيف عنهم، من عذابها. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...