أجيب: بأوجه الأوّل: أنه سمع الملائكة يقولون {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ} فعرف هذه الأحوال.
الثاني: أنه وسوس إلى آدم ولم يجد له عزماً فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم.
الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوّة بهيمية شهوية وقوّة وهمية شيطانية وقوّة عقلية ملكية، وقوّة سبعية غضبية، وعرف أن بعض تلك القوى تكون هي المستولية في بعض أوّل الخلقة ثم إن القوّة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ومن كان كذلك كان ما ذكره إبليس لازماً له.
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ}
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف ذكر الله تعالى هذه الأشياء لإبليس وهو يقول إنّ الله لا يأمر بالفحشاء؟
أجيب: بأنَّ هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: {اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} (فصلت: 40) .
وكقول القائل: اعمل ما شئت فسوف ترى، وكما يقال اجهد جهدك فسوف ترى ما ينزل بك.
«فَإِنْ قِيلَ» : قال تعالى في أوّل الآية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} وقال في آخرها: {وَفَضَّلْنَاهُمْ} فلا بدّ من الفرق بين التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار؟
أجيب: بأنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية كالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم أنه سبحانه وتعالى عرّضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة.
{فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ}
ابتهاجاً وتبجحاً بما يرون فيه من الحسنات {وَلاَ يُظْلَمُونَ} بنقص حسنة ما من ظالم ما {فَتِيلاً} أي: شيئاً في غاية القلة والحقارة بل يزدادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاة الأعمال.