ثم قال: «إلاَّ قليلاً» وهم المعصومون الذين استثناهم الله تعالى في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] .
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف ظنَّ إبليسُ اللَّعين هذا الظنَّ الصَّادق بذريَّة آدم - صلوات الله عليه - ؟
قيل: فيه وجهان:
الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء} [البقرة: 30] فعرف ذلك.
والثاني: أنه وسوس إلى آدم - صلوات الله عليه - فلم يجدْ له عزماً، فقال: الظاهر أنَّ أولاده يكونون مثله في ضعف العزم.
وقيل: لأنه عرف أنه مركب من قوَّة بهيمية شهوانية، وقوَّة وهميَّة شيطانية، وقوة عقليَّة ملكيَّة، وقوَّة سبعيَّة غضبيَّة، وعرف أنَّ بعض تلك القوى تكون هي المستولية في أوَّل الخلقة، ثم غنَّ القوَّة العقلية إنما تكمل في ىخر الأمر، ومتى كان الأمر كذلك، كان ما ذكره إبليس لازماً.
{قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) }
«فَإِنْ قِيلَ» : الأولى أن يقال: فإن جهنَّم جزاؤهم؛ ليعود الضمير إلى قوله: {فَمَن تَبِعَكَ} ؟
فالجواب من وجوهٍ:
الأول: تقديره: جزاؤهم وجزاؤكم؛ لأنه تقدَّم غائب ومخاطب في قوله: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} فغلَّب المخاطب على الغائب، فقيل: جزاؤكم.
والثاني: يجوز أن يكون الخطاب مراداً به «مَنْ» خاصة، ويكون ذلك على طريق الالتفات.
والثالث: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - قال: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فَعليْهِ وِزْرُهَا ووِزْرُ مِنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزْرِ ذلك العامل، فلما كان إبليس هو الأصل في كلِّ المعاصي، صار المخاطب بالوعيد هو إبليس.
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) }