ومنها: أنه تعالى لم يقل: «وإحْسَاناً بالوَالِديْنِ» ، بل قال: {وبالوالدين إِحْسَاناً} ، فتقديم ذكرهما يدل على شدَّة الاهتمام.
ومنها: أنه تعالى قال: «إحْسَاناً» بلفظ التنكير، والتنكير يدلُّ على التعظيم، أي: إحساناً عظيماً كاملاً؛ لأنَّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة؛ لأنَّ إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداءِ، وفي الأمثال المشهورة: «إنَّ البَادِئ بالبرِّ لا يُكَافأ» .
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) }
«فَإِنْ قِيلَ» : المنع من التأفيف يدلُّ على المنع من الانتهار؛ بطريق الأولى، فلما قدم المنع من التأفيف، كان المنع من الانتهار بعده عبثاً، ولو فرضنا أنه قدَّم المنع من الانتهار على المنع من التأفيف، كان مفيداً؛ لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السَّبب في رعاية هذا التَّرتيب؟
فالجَوابُ: أن المراد من قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} المنع من إظهار الضَّجر بالقليل والكثير، والمراد من قوله {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الردِّ عليه.
قوله تعالى: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} لمَّا منعه من القول المؤذي، وذلك لا يكون أمراً بالقول الطَّيب، فلا جرم: أردفه بأن أمره بالقول الحسن، فقال: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} .
قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أن يقول له: يا أبتَاهُ يا أمَّاهُ، وقال عطاء: هو أن تتكلَّم معهما بشرط ألاَّ ترفع إليهما بصرك.
وقال مجاهد: لا تُسمِّهِمَا ولا تكنِّهما، فهو كقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - .