قال: وفيه جواب آخر، وهو أن نعت الريح عُريٌ من علامة التأنيث، فأشبهت بذلك أسماء المذكَّر، كما قالوا: السماء أمطر، والأرض أنبت.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قيل لهم: (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) وهم لا يقدرون على ذلك؟
فعنه جوابان:
أحدهما: إِن قدرتم على تغيُّر حالاتكم، فكونوا حجارة أو أشدَّ منها، فإنا نميتكم، وننفِّذ أحكامنا فيكم، ومثل هذا قولك للرجل: اصعد إلى السماء فإني لاحِقُك.
والثاني: تصوَّروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها، فإنا سنبيدكم، قال الأحوص:
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصّبا ... فكن حجرا من يابس الصّخر جامدا
معناه: فتصوَّر نفسك حَجَراً، وهؤلاء قوم اعترفوا أن الله خالقهم، وجحدوا البعث، فأُعلموا أن الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المُهان؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرَم بالنعم الوافرة.
والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصِّفة على جماعتهم، كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) .
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال: (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) ولم يقل: أشدُّ عمىً، لأن العمى خِلْقة بمنزلة الحُمرة، والزُّرقة، والعرب تقول: ما أشدَّ سواد زيد، وما أبْيَنَ زرقة عمرو، وقلَّما يقولون: ما أسود زيداً، وما أزرق عمراً؟
فالجواب: أن المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شيء بعد شيء، فيخالف الخِلَقَ اللاّزِمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ذكره ابن الأنباري.
قوله تعالى: (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قلتم: إنّ (زَهَقَ) بمعنى بَطَل، والباطل موجود معمول عليه عند أهله؟
فالجواب: أن المراد من بطلانه وهلكته: وضوح عيبه، فيكون هالكاً عند المتدبِّر الناظر.