وَقَدْ كَانَ فِي أَشْيَاخِي مَنْ ارْتَقَى إلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَمَا ادَّخَرَ قَطُّ شَيْئًا لِغَدٍ، وَلَا نَظَرَ بِمُؤَخِّرِ عَيْنِهِ إلَى أَحَدٍ، وَلَا رَبَطَ عَلَى الدُّنْيَا بِيَدٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، وَهُوَ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا(33)
فَإِنْ قِيلَ: وَكَمْ مِنْ وَلِيٍّ مَخْذُولٍ لَا يَصِلُ إلَى حَقِّهِ؟
قُلْنَا: الْمَعُونَةُ تَكُونُ بِظُهُورِ الْحُجَّةِ تَارَةً، وَبِاسْتِيفَائِهَا أُخْرَى، وَبِمَجْمُوعِهِمَا ثَالِثَةً، فَأَيُّهَا كَانَ فَهُوَ نَصْرٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَحِكْمَتُهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ وَفِي إفْرَادِ النَّوْعَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا(38)
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ مَكْرُوهًا، وَالْكَرَاهِيَةُ عِنْدَكُمْ إرَادَةُ عَدَمِ الشَّيْءِ، فَكَيْفَ يُوجَدُ مَا أَرَادَ اللَّهُ عَدَمَهُ؟.
قُلْنَا: قَدْ أَجَبْنَا عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْمُشْكَلَيْنِ، بِبَسْطٍ. بَيَانُهُ عَلَى الْإِيجَازِ؛ أَنَّ مَعْنَى مَكْرُوهًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَمُرَادًا مَأْمُورٌ بِهِ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ؛ أَيْ يَأْمُرُ بِالْيُسْرِ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْعُسْرِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْضًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا شَرْعًا، أَيْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الشَّرْعِ، وَإِنْ أَرَادَ وُجُودَهُ، كَقَوْلِهِ: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] ؛ مَعْنَاهُ دِينًا لَا وُجُودًا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، تَعَالَى (أَنْ يَكُونَ مِنْ عَبْدِهِ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ.
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} ؟