ولم يَقُلْ هنا: واستوى كما قال في شأن موسى في سورة القصص؛ لأنَّ موسى كان قد بلغ أربعين سنة، وهي مدة النبوة، فقدِ استوى وتهيأ لحمل أسرار النبوة. وأما يُوسُفُ فلم يكن يوسف إذ ذاك قد بلَغَ هذا السن, اهـ شيخنا، اهـ"فتوحات".
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ... (23) }
وإنما قال {الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} ولم يقُل امرأة العزيز أو زليخا قَصَدًا إلى زيادة التقرير مع استهجان التصريح باسم المرأة، والمحافظة على الستر عليها.
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ... (24) }
أي: هَمَّتْ وقصدت لتبطش به لعصيانه أمرها، وهم بها ليقهرها في الدفع عما أرادته، ويَرُدَّ عنفها بمثله.
وفي"الشهاب"قال الإِمام: المراد بالهمِّ؛ أي: بهم يوسفَ في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع كالصائم، يَرَى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكنه يَمْنَعُه دينُه عنه، اهـ.
{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) }
فإنْ قلت: إنَّهم قوم مشركون، فلا يعرفون ذَنْبَهُم مع خالقِهِم، فما الذنب الذي يطلب منه الاستغفار؟
أُجِيبَ: بأن المرادَ بالذنب خِيَانتها لزوجها.
{إِنَّكِ كُنْتِ} بسبب ذلك {مِنَ الْخَاطِئِينَ} ؛ أي: من جملة القوم الذين تَعَمَّدُوا للخطيئة والذنب، يقال: خطئ إذا أذنب عَمْدًا.
والجملة: تعليل لما قَبْلَها من الأمر بالاستغفار، ولم يقل من الخَاطِئَات تغليبًا للمذكر على المؤنث كما في قوله: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} .
وقيل: إن القائلَ لِيُوسُفَ ولامرأة العزيز بهذه المقالة هو الشاهد الذي حَكَمَ بينهما.
والمعنى: أي يا يوسف أعرض عن ذكر هذا الكيد، الذي حصل، ولا تتحدَّثْ به كي لا ينتشر أمرُه بين الناس، ولا تَخَفْ من تهديدها، وكيدها لك، وأنتِ أيتها المرأة توبي إلى ربك واستغفري لذنبك، إنك كنت من زمرة المجرمين، الذين يتعمدون ارتكابَ الخَطايا، ويجترحُون السيئات، وهم مُصِرُّون عليها.
قيل: وَكَان العزيز رَجُلًا حَلِيمًا فاكتفى بهذا القدر في مؤاخذتها. وقيل: إنه كانَ قليلَ الغيرة بل قال في"البحر": إنَّ تُرْبَةَ مصر تقتضي ذلك، ولهذا لا يَنْشأُ فيها الأسد، ولو دَخَل فيها لا يَبْقى.