(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)
وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب عليه السلام من هذا الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كُلاًّ أو بعضاً أنه إنما وقع منه ذلك لأنه علم أن يوسف عليه السلام حيّ فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حيئنذ كفار، وقيل إن مجرد الحزن ليس بمحرم وإنما المحرم ما يفضي منه إلى الوله وشق الثياب والتكلم بما لا ينبغي.
قال أبو السعود: وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند النوائب فإن الكف من ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون انتهى.
(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)
(توفني مسلماً) أي على الإسلام لا يفارقني حتى أموت، قيل إنه دعا بذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلماً إظهاراً للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة وتعليماً لغيره، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر؛ والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى، قاله الرازي والخطيب والكرخي.
قال ابن عباس: ما سأل نبي الوفاة غير يوسف عليه السلام اشتاق إلى لقاء الله واحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه (و) قال (ألحقني بالصالحين) من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك، قال الضحاك: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقال عكرمة: يعني أهل الجنة.
وليس في اللفظ ما يدل أنه طلب الوفاة في الحال، ولهذا ذهب الجمهور إلى أنه لم يتمن الموت بهذا الدعاء في الحال وإنما دعا ربه أن يتوفاه على دين الإسلام ويلحقه بالصالحين من عباده عند حضور أجله.