قوله: (لئلا تصيبكم العين) إنما خاف عليهم العين، لكمالهم وقوتهم واشتهارهم بين أهل مصر، بإكرام الملك لهم واحترامهم، فأمرهم بالتفرق ليسلموا من إصابة العين، فإنها كما قال أهل السنة، سبب عادي للضرر كالسم والسيف، يوجد الضرر عندها لا بها، وقالت الفلاسفة: إن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعيون، فيهلك أي يفسد، فأثبتوا للعين تأثيراً بنفسها، وهو كلام باطل واعتقاده كفر، وأعظم نافع في الرقى من العين سورتا المعوذتين.
قوله: {مِّنَ اللَّهِ} أي من قضائه.
«إن قلت» : لم أمرهم بذلك في هذه المرة، ولم يأمرهم في المرة الأولى؟
أجيب بجوابين: الأول لكون معهم بنيامين وهو عزيز عليه، فخاف عليهم من أجل كونه معهم، والثاني أنهم اشتهروا في مصر بأنهم أولاد رجل واحد، وفيهم نور النبوة والشهامة والجمال، سيما وقد كانوا عند الملك بمنزلة، بخلاف المرة الأولى.
قوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي فوضت أموري واعتمدت عليه، لا على ما أمرتكم به، لأن الأخذ في الأسباب مع التوكل، أفضل من ترك الأسباب.
{قَالُواْ تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}
قوله: {قَالُواْ تَاللهِ} أي تسلية له على ما نزل به من الحزن العظيم.
«إن قلت» : كيف حلفوا على شيء لا يعلمون حقيقته؟
أجيب: بأنهم حلفوا على غلبة الظن، وهي بمنزلة اليقين، فهو من لغو اليمين الذي لا يؤاخذ به العبد.
قوله: {تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} إلخ، إنما قدر المفسر (لا) لأن القسم المثبت جوابه مؤكد بالنون أو اللام عند الكوفيين، أو بهما عند البصريين، فلما رأينا الجواب هنا خالياً منهما، علمنا أن القسم على النفي بمعنى أن جوابه منفي لا مثبت، فلو قيل: والله أحبك كان المراد لا أحبك، وهو من قبيل التورية، ومن ذلك إذا قال: والله أجيئك غداً في فيحنث في المجيء، بخلاف ما إذا قال لأجيئنك فيحنث بعدمه.
قوله: {حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً} هو من باب تعب، يقال: حرض حرضاً أشرف على الهلاك.
{فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}
قوله: (وكانت دراهم زيوفاً) أي معيبة.
قوله: (أو غيرها) أو لتنويع الخلاف، فقيل كانت نعالاً، وقيل صوفاً.
قوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} أي أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد، فإنا نريد أن تقيم لنا الناقص مقام الزائد.