قيل عن هذه أربعة أجوبة:
أحدها: أنها معصية فعلها الكيال ولم يأمر بها يوسف.
الثاني: أن المنادي الذي كال حين فقد السقاية ظن أنهم سرقوها ولم يعلم بما فعله يوسف , فلم يكن عاصياً.
الثالث: أن النداء كان بأمر يوسف , وعنى بذلك سرقتهم ليوسف من أبيه , وذلك صدق.
الرابع: أنها كانت خطيئة من قبل يوسف فعاقبه الله عليها بأن قال القوم {إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل} يعنون يوسف.
وذهب بعض من يقول بغوامض المعاني إلى أن معنى قوله {إنكم لسارقون} أي لعاقون لأبيكم في أمر أخيكم حيث أخذتموه منه وخنتموه فيه.
{ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم}
وهذه جعالة بذلت للواجد. وفي حمل البعير وجهان: أحدهما: حمل جمل , وهو قول الجمهور.
الثاني: حمل حمار , وهو لغة , قاله مجاهد.
واختلف في هذا البذل على قولين: أحدهما: أن المنادي بذله عن نفسه لأنه قال {وأنا به زعيم}
أي كفيل ضامن.
«فإن قيل» : فكيف ضمن حمل بعير وهو مجهول , وضمان المجهول لا يصح؟
قيل عنه جوابان: أحدهما: أن حمل البعير قد كان عندهم معلوماً كالسوق فصح ضمانه.
الثاني: أنها جعالة وقد أجاز بعض الفقهاء فيها في الجهالة , ما لم يُجزْه في غيرها كما أجاز فيها ضمان ما لم يلزم , وإن منع منه في غيرها.
قوله عز وجل: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض}
أي لنسرق , لأن السرقة من الفساد في الأرض. وإنما قالوا ذلك لهم لأنهم قد كانوا عرفوهم بالصلاح والعفاف. وقيل لأنهم ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم , ومن يؤد الأمانة في غائب لا يقدم على سرقة مال حاضر.
{وما كنا سارقين} يحتمل وجهين: أحدهما: ما كنا سارقين من غيركم فنسرق منكم.
والثاني: ما كنا سارقين لأمانتكم فنسرق غير أمانتكم. وهذا أشبه لأنهم أضافوا بذلك إلى عملهم.
قوله عز وجل: {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف}
«فإن قيل» : فكيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكاً متمكناً بمصر , وأبوه بحرّان من أرض الجزيرة؟ وهلاّ عجّل استدعاءه ولم يتعلل بشيء بعد شيء ؟
قيل يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون فعل ذلك عن أمر الله تعالى , ابتلاء له لمصلحة علمها فيه لأنه نبيّ مأمور.
الثاني: أنه بلي بالسجن , فأحب بعد فراقه أن يبلو نفسه بالصبر.
الثالث: أن في مفاجأة السرور خطراً وأحب أن يروض نفسه بالتدريج.
الرابع: لئلا يتصور الملك الأكبر فاقة أهله بتعجيل استدعائهم حين ملك.
{وإن كنا لخاطئين}