ونكتفي في هذا التقديم للسورة بلمحات سريعة من هذا كله:
لقد أشرنا في مطالع هذا التقديم إلى مناسبة قصة يوسف بجملتها للفترة الحرجة التي كانت تمر بها الحركة الإسلامية في مكة عند نزول السورة , وللشدة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والقلة المؤمنة معه يتعرضون لها . وذلك بما تحمل القصة من عرض لابتلاءات أخ كريم للنبي الكريم ; ثم بما تحمله بعد ذلك من استفزاز من الأرض ثم تمكين .
وهذا الذي سبق أن قررناه يصور لونا من إيحاءات القصة المتوافية مع حاجات الحركة الإسلامية في تلك الفترة ; ويقرب معنى"الطبيعة الحركية"لهذا القرآن وهو يزود الدعوة , ويدفع الحركة , ويوجه الجماعة المسلمة توجيها واقعيا إيجابيا محدد الهدف مرسوم الطريق .
كذلك أشرنا في ثنايا تحليل القصة إلى الصورة الواضحة الكاملة الدقيقة الشاملة للإسلام , كما عرضها يوسف عليه السلام . وهي صورة تستحق الوقوف أمامها طويلا . .
إنها تقرر ابتداء وحدة العقيدة الإسلامية التي جاء بها الرسل جميعا ; واستيفاء مقوماتها الأساسية في كل رسالة ; وقيامها على التوحيد الكامل لله سبحانه , وعلى تقرير ربوبيته للبشر وحده , ودينونة البشر له وحده . . كما تقرر تضمن تلك العقيدة الواحدة للإيمان بالدار الآخرة بصورة واضحة . وهذا التقرير يقطع الطريق على مزاعم ما يسمونه"علم الأديان المقارن"من أن البشرية لم تعرف التوحيد ولا الآخرة إلا أخيرا جدا , بعد أن اجتازت عقائد التعدد والتثنية بأشكالها وصورها المختلفة ; وأنها ترقت في معرفة العقيدة كما ترقت في معرفة العلوم والصناعات . . هذه المزاعم التي تتجه إلى تقرير أن الأديان من صنع البشر شأنها شأن العلوم والصناعات .