ومنذ هذه اللحظة التي تجلت فيها شخصية يوسف مكتملة ناضجة واعية , مطمئنة ساكنة واثقة , نجد هذه الشخصية تتفرد على مسرح الأحداث , وتتوارى تماما شخصيات الملك والعزيز والنسوة والبيئة . ويمهد السياق القرآني لهذا التحول في القصة وفي الواقع بقوله:
(وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء , نصيب برحمتنا من نشاء . ولا نضيع أجر المحسنين , ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) . .
ومنذ هذه اللحظة نجد هذه الشخصية تواجه ألوانا أخرى من الابتلاءات , تختلف في طبيعتها عن الألوان الأولى ; وتواجهها بذلك الاكتمال الناضج الواعي , وبتلك الطمأنينة الساكنة الواثقة .
نجد يوسف وهو يواجه - للمرة الأولى - إخوته بعدما فعلوا به تلك الفعلة القديمة ; وهو في الموقف الأعلى بالقياس إليهم والأقوى . . ولكننا نجد سمة الضبط واضحة في انفعالاته وتصرفاته:
(وجاء أخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون . ولما جهزهم بجهازهم قال:ائتوني بأخ لكم من أبيكم , ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ? فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . قالوا:سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون . وقال لفتيانه:اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) . .
ونجده وهو يدبر - بتدبير الله له - كيف يأخذ أخاه . فنلمح الشخصية الناضجة الواعية الحكيمة المطمئنة , الضابطة الصابرة: