أراد أنه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكَنَّى برضاع الغنم عن البخل، لأن البخيل يرضع اللبن من الشاة ولا يحلبها، لئلا يسمع الضيف صوت الشخب فيهتدى إليه، ومنه قيل: لئيم راضع، وقال كثير:
*فأصبحتُ ذا نفسين: نفس مريضة * من الناس، ما ينفك هم يعودها*
*ونفس ترجى وصلها بعد صرمها * تجمل كى يزداد غيظاً حسودها*
والنفس: العين التي تصيب الإنسان يقال: أصابت فلاناً نفس: أي عين، وروُى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى فيقول:"بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كل داء يؤذيك، وداء هو فيك، من كل عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد".
وقال ابن الأعرابى: النفوس: التي تصيب الناس بالنفس، وذكر رجلاً فقال: كان واللهِ حسوداً نفوساً كذوباً، وقال عبد الله بن قيس الرقيات، وهو قرشى:
*يتقى أهلها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقى والتميم*
وقال مضرس الفقعسى:
*وإذا نموا صعدا فليس عليهم * منا الخيال ولا نفوس الحُسَّدِ*
وقال ابن هرمة، يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:
*فاسلم، سلمتَ من المكاره والردى * وعثارها، ووقُيتَ نفس الحُسَّدِ*
والنفس أيضاً من الدباغ بمقدار الدبغة، تقول: أعطنى نفساً من دباغ، أي قدر ما أدبغ به مرة. والنفس: الغيب، يقول القائل: إنى لا أعلم نفس فلان: أي غيبة. وعلى هذا تأويل قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} : أي تعلم غيبى وما عندي، ولا أعلم غيبك. وقيل: إن النفس أيضاً: العقوبة، من قولهم: أحذرك نفسي: أي عقوبتى وبعض المفسِّرين يحمل قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} على هذا المعنى كأنه: يحذركم عقوبته، وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرين، قالوا: معنى الآية: يحذركم الله إياه. وقد رُوى عن الحسن ومجاهد فِي قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ما ذكرناه من التأويل بعينه.