أوجبناه. على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض فِي الآية، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بأنه إنما قررهم وأشهدهم، لئلا يدَّعوا يوم القيامة الغفلة وسقوط الحُجَّة عنهم، فإذا جاز نسيانهم له، عاد الأمر إلى سقوط الحُجَّة وزوالها، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف، قبح خطابهم، وتقريرهم، وإشهادهم، وصار ذلك عبثاً قبيحاً. فإن قيل: قد أبطلتم قول مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟ قلنا: فِي الآية وجهان، أحدهما: أن يكون تعالى إنما عَنِىَ بها جماعة من ذُرِّية بني آدم، خلقهم، وبلَّغهم، وأكمل عقولهم، وقرَّرهم على ألسن رسله عليهم السلام بمعرفته، وما يجب من طاعته، فأُمِروا بذلك، وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم. وإنما أُتِىَ مَن اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذُرِّية لا يقع إلى على مَن لم يكن عاقلاً كاملاً، وليس الأمر كما ظن، لأنه سمى جميع البَشر بأنهم ذُرِّية آدم وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} ولفظ"الصالح"لا يُطلق إلا على من كان كاملاً عاقلاً، فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلَّفين فهذا جوابهم.