ولذا قال جل وعلا: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] وقوله تعالى: {يَحْذَرُونَ يا أيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار} إشارة إلى الجهاد الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها ، وفي الخبر"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي قهراً وشدة حتى تبلغوا درجة التقوى {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} [التوبة: 123] بالولاية والنصر {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} أي يصيبهم بالبلاء ليتوبوا {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] وفي الأثر البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [لقمان: 32] وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12] وبالجملة إن البلاء يكسر سورة النفس فيلين القلب فيتوجه إلى مولاه إلا أن من غلبت عليه الشقاوة ذهب منه ذلك الحال إذا صرف عنه البلاء كما يشير إليه قوله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] وقوله سبحانه: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ} [يونس: 12] {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من جنسكم لتقع الألفة بينكم وبينه فإن الجنس إلى الجنس يميل وحينئذٍ يسهل عليكم الاقتباس من أنواره صلى الله عليه وسلم.
وقرئ كما قدمنا {مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي أشرفكم في كل شيء ويكفيه شرفاً أنه عليه الصلاة والسلام أول التعينات وأنه كما وصفه الله تعالى على خلق عظيم: