قوله عزَّ وجلَّ: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} إذا كان البنيان بمعنى المبني أو جمع بنيانة كان في الكلام حذف مضاف تقديره: لا يزال بناء بنيانهم الذي بنوه ريبة، أي: شكًّا في قلوبهم.
{إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي: إلى أن يموتوا، وحتى يموتوا، وإنما قدر (إلَّا) بتقدير إلى وحتى؛ لأنَّ التقطيع مُنتهَى يُنْتَهَى إليه، وإلى وحتى كلاهما للغاية ينتهى إليه، تعضده قراءة من قرأ: (حتى الممات) وهو أُبي - رضي الله عنه -، وقراءة من قرأ: (إلى أن) وهما الحسن ويعقوب.
ولك أن تجعل {إِلَّا} على بابها على معنى أنك تستثني حال تقطع قلوبهم من الأحوال التي كانوا مترددين فيها.
وقرئ: (تُقَطَّعَ قلوبُهم) بضم الحاء على البناء للمفعول وهو القلوب، والمعنى: إلّا أن يقطع الله قلوبهم بالإماتة، أي: بأن يميتهم، تعضدها قراءة بعضهم: (إلّا أن تُقَطِّع قلوبَهم) بضم الماء وكسر الطاء على البناء للفاعل وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، على معنى: إلّا أن تقطع أنس قلوبهم بقتلهم.
وقرئ: (إلّا أن تَقَطَّع قلوبُهم) بفتح التاء على البناء للفاعل وهو قلوبهم. والأصل: تتقطع بتاءين، فحذفت إحداهما كراهة اجتماعهما، وماضيه: تقطع، وهو لازم قَطَعَ.
قال أبو علي: في الوجه الأول أضيف الفعل إلى المُقطِّع المُبلِي للقلوب بالموت في المعنى وإن لَمْ يذكر في اللفظ، وفي الثاني أسند إلى القلوب لما كانت هي البالية، وهذا مثل: مات زيد، ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند فيه الفعل إلى مَن حدث منه وإن لَمْ يكن له، انتهى كلامه.
وعن طلحة: (ولو قطعتَ قلوبَهم) على خطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو كلّ مخاطَب.
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) } :