قوله عز وجل: {إِنَّمَا النَّسِيءُ} النسيء: مصدر كالنعيق والشحيح، وهو مصدر نسأه، إذا أخّره، يقال: نسأه نسئًا ونساءً ونسيئًا، كقولك: مسه مسًا ومِساسًا ومسيسًا، وليس قول من قال: هو فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأتُ الشيء فهو منسوءٌ، إذا أخرته، ثم حول منسوء إلى نسيء، كما يحول مقتول إلى قتيل، بمستقيم؛ لأجل أنه إن حُمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، والمؤخر: الشهر وليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر، وإنّما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فأما نفس الشهر فلا.
وذلك أنهم على ما فسر كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه لحاجتهم إلى القتال فيه، ويحرمون مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} أي: ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها.
وقرئ: (النسيّ) بتشديد الياء من غير همزة بوزن النديّ، على القلب والإِدغام على التخفيف القياسي.
وقرئ: (النسْيُ) بسكون السين وياء مخففة بعدها بوزن النهي، وهو تخفيف النسيء أيضًا غير أنه قصر بحذف يائه، ثم أسكن عينه، فبقي نَسْي كما ترى، ونظيره مما قصر من فعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم في سميح: سَمْحٌ، وفي رطيب رطْبٌ، ومما قصر ولم يسكن قولهم في لبيق: لَبِق. وفي سميح: سمِح.
وقوله: (يَضِلُّ) {بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} خبر بعد خبر للنسيء.
وقرئ: (يَضِل) بفتح الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل وهو {الَّذِينَ} ، وبضم الياء وفتح الضاد على البناء للمفعول على معنى: أن كبراءهم يضلونهم بأمرهم إياهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور.
وبضم الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل وهو {الَّذِينَ} ، والمفعول به محذوف، أي: يضل به الذينِ كفروا أتباعهم، أو الله تعالى، أو كبراؤهم، أو الشيطان، والمفعول به {الَّذِينَ} .