أَحَدُهَا: أَنَّ فِيهِ وَضْعَ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ؛ إِذِ الْوَجْهُ أَنْ تَقُولَ: كَلِمَتُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ كَانَتْ سُفْلَى، فَصَارَتْ عُلْيَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَوْكِيدَ مِثْلِ ذَلِكَ بَهِيٌّ بَعِيدٌ؛ إِذِ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهَا.
قَالَ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (42) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا) : اسْمُ «كَانَ» مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَوْ كَانَ مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ.
(لَوِ اسْتَطَعْنَا) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ.
وَقُرِئَ بِضَمِّهَا؛ تَشْبِيهًا لِلْوَاوِ الْأَصْلِيَّةِ بِوَاوِ الضَّمِيرِ، نَحْوَ: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) [الْبَقَرَةِ: 16] .
(يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَحْلِفُونَ» .
قَالَ تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (43) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ) : حَتَّى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ تَقْدِيرُهُ: هَلَّا أَخَّرْتَهُمْ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَوْ لِيَتَبَيَّنَ، وَقَوْلُهُ: «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» يَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «حَتَّى» بِأَذِنْتَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، أَوْ لِأَجْلِ التَّبْيِينِ، وَهَذَا لَا يُعَاتَبُ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (47) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خِلَالَكُمْ) : ظَرْفٌ لَأَوْضَعُوا؛ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ.
(يَبْغُونَكُمُ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَوْضَعُوا» .