بمثل هذا يقال في هذا المقام حكمة عدم إنزال سورة التوبة ببسم الله الرحمن الرحيم لأن الله أنزلها هكذا، وأرادها هكذا، أما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد بيّن كل شيء قبل أن يموت، وحدّد لأصحابه سور القرآن، وعُرفت وسميت، وترتب القرآن آيات وسوراً، كل ذلك كان موجوداً، السنة محفوظة عند الصحابة مكتوبة في صحفهم قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، الدين اكتمل قبل أن يموت صلى الله عليه وسلم، أنزل الله عليه في حجته الوحيدة في العام العاشر من الهجرة"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" [المائدة: 3] ، كيف يكون الدين قد تم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبيّن إن كانت سورة الأنفال تبع التوبة أو كل واحدة منهما سورة مستقلة؟ لا يُعقل هذا، فسورة الأنفال سورة مستقلة، وسورة التوبة سورة مستقلة ولم يكن فيها بسم الله الرحمن الرحيم إعلاناً على كمال إرادة الله وقدرته، أنه يفعل ما يشاء ويختار سبحانه وتعالى، وإيذاناً بعدم الرحمة والهوادة مع الكافرين فلم يقدم بين يدي كلامهم وبين يدي تعذيبهم والبراءة منهم كلمة فيها رحمة، فرفع من هنا بسم الله الرحمن الرحيم، ولله الحكمة البالغة، وما علينا إن كنا مؤمنين إلا أن نقول:"سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [البقرة: 285] .