{عَلَى عَقِبَيْهِ} [الأنفال: 48] فيه إشارة إلى أن الشيطان عند استيلاء النفس وغلبات أوصافها وهواها يزين الدنيا وشهواتها وزخارفها للنفوس، ويعينها على طلبها واستيفاء لذاتها؛ ليضلها عن سبيل الله، فلمَّا استولت القلوب والأرواح على النفوس، وانقادت النفوس لحزب الله انكسرت أوصافها وهواها، واطمأنت بذكر الله وطاعته يكون الشيطان مخالفاً لها بعد أن كان موافقاً ومحباً ومعاوناً لها، فيفر منها ويتبرأ منها، كما قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} [الأنفال: 48] فلا يبقى له مدخل يدخل بها في النفوس ويوسوسها؛ لأنه يرى بنظر الروحاني على النفوس من القلوب أنوار الرباني ولو وقع على الشيطان منها تلألؤ يحرقه في الحال ولهذا قال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] وقد صدق الكذوب أنه يخاف من شدة عقاب الله تعالى، فإن عقابه وومضان بروق صفة قهره لو وقع عليه لتلاشى، ولذلك كان من يفر من ظل عمر و"ما سلك عمر رضي الله عنه فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر"؛ لئلا يقع عليه عكس نور ولاية عمر رضي الله عنه فيحرقه، وقد علم الشيطان أنه من العذبين المعاقبين، وإنما خوفه من الله من شدة عقابه؛ لأنه يعلم أن لا نهاية لشدة عقابه والله قادر على أن يعاقبه بعقوبة أشد من الأخرى، وفيه إشارة أخرى إلى أن خوفه من الله تعالى يدل على أنه غير منقطع الرجاء، والله أعلم.