{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم} [الأنفال: 47] أي: ديار أوصافهم، {بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47] يعني: إذا كان الله معكم عند صبركم معيناً لكم على الاستقامة، فلا تكونوا كالذين خرجوا من الدنيا وزينتها وتركوا أوطانهم وتزييوا بزي القوم تصنعاً وشرفاً في الإرادة، وما خرجوا عن أطوارهم ودواعي نفوسهم وداروا البلاد وزاروا العباد، وتفرحوا ليتباهوا بذلك على الإخوان ويتنافسوا مع الأقران، {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 47] الطالبين الصادقين بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] أي: بما يعملون مهلكهم يعني: إنما يهلكون بما يعملون.
ثم أخبر عن أحوال أهل التنازع، فقال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ} [الأنفال: 48] حين ظفر بهم عند التنازع، {أَعْمَالَهُمْ} [الأنفال: 48] التي بها تنازعوا واختلفوا وتفاخروا.
{وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} [الأنفال: 48] أي: النفس والهوى والدنيا والشيطان فغرهم بذلك، قال: {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 48] أي: مجيركم من آفة الرياء والعجب، وذلك أن الشيطان إذا ظفر بالسالك يغره بالقوة والكمال والبلوغ إلى مرتبة الرجال أنه لا يضره التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات؛ بل يضعه في نفي الرياء إذ هو طريق أصل الملامة وبه ليسلك سبيل السلام.
{فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ} [الأنفال: 48] فئة الأرواح والقلوب، وفئة النفوس وصفاتها وهواها والدنيا وشهواتها، وأمد الله تعالى فئة القلوب والأرواح بالأوصاف الملكية والواردات الربانية، وانهزمت النفوس وعساكرها، وزهقت أباطليهم بمجيء الحق، {نَكَصَ} [الأنفال: 48] الشيطان.