* جاءت هذهِ الآيةُ لإبطالِ ما كانتْ عليه الجاهليةُ من طَوافِهِمْ بالبيتِ
عُراةً، حتى قالَتِ امرأةٌ منهم: [بحر الرجز]
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُه أَوْ كُلُّهُ ... وما بَدا مِنْهُ فَلا أحِلُّهُ
فأمرنا اللهُ سبحانه في هذِه الآية بأَخْذِ الزينةِ عندَ كُلِّ مسجدٍ، والمرادُ بها الثيابُ التي سترُ العورةَ، وذلك واجبٌ في المسجدِ الحرامِ وفي غيرِه.
أما المسجدُ الحَرامُ؛ فلما ثبتَ في الصحيح أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسلَ عَلِيًّا يُنادي في المَوْسِمِ: أَلا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفَنَّ بالبَيْتِ عُريان.
وأما في غيرِه، فلعمومِ الخِطابِ، وهو وإنْ كانَ واردًا على سَبَبٍ، فالعِبْرَةُ بِعُمومِ اللفظِ، لا بخُصوصِ السَّبَبِ، ما لم يَصْرِفِ العُمومَ صارفٌ.
* ثم الأمرُ بأخذِ الزينةِ عندَ المسجدِ الحَرام:
يحتملُ أن يكونَ التَّخْصيصُ بذكرهِ إنَّما هو لأجلِ ما يُفْعَلُ في المسجدِ من العِبادَةِ التي شُرِّفَ من أجِلها، وهي الصلاةُ والطوافُ، فتدلّ الآية حينئذٍ بطريق الإيماءِ إلى التشريفِ أن سترَ العورة شرطٌ في الصلاةِ، وفرضٌ من فُروضِها، لا تَصِحُّ إلاّ به؛ لأن الأمرَ تنَاولٌ بخصوصها، وبه قالَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وبينه قولُه - صلى الله عليه وسلم -:"لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائِضٍ إلا بِخِمارٍ"وما أَشْبَههُ من الآثار.
وقال مالِكٌ في أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ: سترُ العورةِ فرضٌ إسلاميٌّ، لا يختصُّ بالصلاةِ، واحتجَّ بما ثبتَ في الصحيح: أنه كانَ رجالٌ يُصَلُّونَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عاقِدينَ أُزْرَهُمْ على أعناقهم كهيئةِ الصِّبيان، ويقال للنساء: لا تَرْفَعْنَ رُؤوسَكُنَ حتى يَسْتَوِيَ الرجالُ جلوسًا.
وبما روى عَمْرُو بنُ سَلمَةَ قال: لما رَجَعَ قومي من عندِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال لهم:"ليَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِراءَةً"، فدعَوْني، فعلَّموني الركوعَ والسُّجودَ، فكنتُ أُصَلِّي بهم، وكان عَلَى بُرْدَة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا استَ ابْنِكَ؟