ومن ذلك ما ذكره الحافظ المزي في"تهذيب الكمال"عن أبي الحسين بن المظفر الحافظ، عن القاسم بن زكريا المطرز قال: وردت الكوفة نكتب عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب - وكان عباد شيعيًا - فلما فرغت دخلت إليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟
قلت له: الله خلق البحر.
قال: هو كذلك، ولكن من حفره؟
فقلت: يذكر الشّيخ.
فقال: حفره علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
ثمّ قال: من أجراه؟
قلت له: مجري الأنهار ومنبع العيون.
فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟
فقلت: يفيدني الشّيخ.
فقال: أجراه الحسين بن علي - رضي الله عنه -.
-قال: وكان عباد مكفوفًا، ورأيت في داره سيفًا معلقًا وحجفة - فقلت: أيها الشّيخ! لمن هذا السيف؟
فقال: لي، أعددته لأقاتل به مع المهدي.
قال: فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه، وعزمت على الخروج عن البلد، دخلت عليه، فسألني من حفر البحر، فقلت: حفره معاوية، وأجراه عمرو بن العاص، ثمّ وليت من بين يديه، وجعلت أمشي، وجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه.
ومما زعمه الروافض، ووافقهم عليه بعض سخفاء العقول ما أنكره ابن قتيبة، وغيره من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا، ومن متأخريهم شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر العسقلاني ما ادعته طوائف منهم أنّهم يعلمون بعض المغيبات والأمور الباطنة ممّا وقع إليهم من الجفر المنسوب إلى سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، وهو جلد جفر ادعوا أن عليًا رضي الله تعالى عنه كتب فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، وقد ذكر هذا الجفر هارون بن سعد العجلي، وهو رأس الزيدية، فقال: من الطويل
ألمْ تَرَ أَنَّ الرَّافِضِينَ تَفَرَّقُوا ... وَكُلُّهُمُ فِي جَعْفَرٍ قالَ مُنْكَرا
فَطائِفَةٌ قالُوا: إِمامٌ، وَمِنْهُمُ ... طَوائِفُ سَمَّتْهُ النَّبِيَّ الْمُطَهَّرا
وَمِنْ عَجَبٍ لَمْ أَقْضِهِ جِلْدُ جَفْرِهِمْ ... بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِمَّنْ تَجَعْفَرا
بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَن مِنْ كُلِّ رافِضٍ ... بَصِير بِبابِ الْكُفْرِ فِي الدِّينِ أَعْوَرا