ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتاباً"ولا سنة"ولا رأي له بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي، أو ليس بموجود فيجتهد رأيه، فإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لا يعرف كتاباً ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه بأنه حكم بالطاغوت.
وقد سئل القاضي الشوكاني هل الراجح جواز قضاء المقلد أم لا فأجاب بما لفظه:
"الأوامر القرآنية ليس فيها إلا أمر الحاكم بأن يحكم بالعدل والحق وما أنزل الله وما أراه الله، ومن المعلوم لكل عارف أنه لا يعرف هذه الأمور إلا من كان مجتهداً إذ المقلد إنما هو قابل قول الغير دون حجة، وليس الطريق إلى العلم بكون الشيء حقاً أو عدلاً إلا الحجة، والمقلد لا يعقل الحجة إذا جاءته فكيف يهتدي للاحتجاج بها، وهكذا لا علم عنده بما أنزل الله إنما عنده علم بقول من قلده، فلو فرض أنه يعلم بما أنزل الله وما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علماً صحيحاً لم يكن مقلداً بل هو مجتهد".
وهكذا لا نظر للمقلد فإن حكم بشيء فهو لم يحكم بما أراه الله بل بما أراه إمامه ولا يدري أذلك القول الذي قاله إمامه موافق للحق أم مخالف له.
وبالجملة فالقاضي هو من يقضي بين المسلمين بما جاء عن الشارع كما جاء في حديث معاذ المتقدم، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فقد جمع طرقه
وشواهده الحافظ ابن كثير في جزء وقال: هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة الإسلام، وقد أخرجه أيضاً أحمد وابن عدي والطبراني والبيهقي، ولأئمة الحديث فيه كلام طويل، والحق أنه من الحسن لغيره وهو معمول به.
وقد دل هذا الحديث على أنه يجب على القاضي أن يقدم القضاء بكتاب الله تعالى، ثم إذا لم يجد فيه قضى بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إذا لم يجد فيها اجتهد رأيه.