والمقلد لا يتمكن من القضاء بما في كتاب الله سبحانه لأنه لا يعرف الاستدلال ولا كيفيته، ولا يمكنه القضاء بما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك، ولأنه لا يميز بين الصحيح والموضوع والضعيف المعلل بأي علّة، ولا يعرف الأسباب ولا يدري بالمتقدم والمتأخر، والعام والخاص والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، بل لا يعرف مفاهيم هذه الألفاظ ولا يتعقل معانيها فضلاً عن أن يتمكن من أن يعرف اتصاف الدليل بشيء منها.
وبالجملة فالمقلد إذا قال: صح عندي فلا عند له، وإن قال: صح شرعاً فهو لا يدري ما هو الشرع، وغاية ما يمكنه أن يقول صح هذا من قول فلان وهو لا يدري هل هو صحيح في نفس الأمر أم لا، فهو لا ريب أحد قضاة النار لأنه إما أن يصادف حكمه الحق فهو حكم بالحق ولا يعلم أنه الحق، أو يحكم بالباطل وهو لا يعلم أنه باطل وكلا الرجلين في النار كما ورد بذلك النص من المختار.
وأما قاضي الجنة فهو الذي يحكم بالحق ويعلم أنه الحق ولا شك أن من يعلم بالحق فهو مجتهد لا مقلد، هذا يعرفه كل عارف.
فإن قال المقلد: إنه يعلم أن ما حكم به من قول إمامه حق لأن كل
مجتهد مصيب، نقول له هل أنت مقلد في هذه المسئلة أم مجتهد؟ فإن كنت مقلداً في هذه المسئلة فقد جعلت ما هو محل النزاع دليلاً لك وهو مصادرة باطلة، فإنك لا تعلم بأنها حق في نفسها فضلاً أن تعلم بزيادة على ذلك، وإن كنت مجتهداً فيها فكيف خفي عليك أن المراد بكون كل مجتهد مصيباً هو من الصواب، لا من الإصابة كما أقر بذلك القائلون بتصويب المجتهدين وجردوه في مؤلفاتهم المعروفة الموجودة بأيدي الناس.