فقبلية عيسى المسيح على إبراهيم هنا ، لا يمكن أن تكون قبلية حقيقية في نظر النصارى ، لا باعتبار ناسوت المسيح المنفك عن اللاهوت طبقا لاعتقادهم ، لأن ولادة عيسى الإنسان كانت بعد إبراهيم اتفاقا ، ولا باعتبار حصول الحقيقة الثالثة المدعاة له أي تعلُّق اللاهوت بالناسوت ، لأن ذلك تم مع ولادة المسيح من العذراء وروح القدس الذي تم أيضا بعد إبراهيم اتفاقا.و لا يمكن أن يكون قصده سبق المسيح على إبراهيم باعتبار لاهوته الأزلي المدَّعى ، بقرينة أن بداية الكلام كانت عن رؤية إبراهيم لهذا اليوم ، أي يوم بعثة المسيح ورسالته ، وابتهاج إبراهيم به ، فالكلام إذن عن رؤية المسيح المبعوث في الأرض ، وهذا تم بعد إبراهيم اتفاقا ، فلم يبق إلا أن يكون المراد بالقبلية علم الله السابق بتقدير إرسال عيسى في هذا الوقت ، وما يترتب عليه من الإرشاد والرحمة بالعباد. فإن قيل: أيُّ خصوصية للمسيح في ذلك ، إذ أن هذا المحمل - أي علم الله السابق - مشترك بينه وبين سائر الأنبياء ، بل جميع البشر؟
فالجواب: أنه عليه السلام لم يذكر ذلك في معرض الخصوصية ، وإنما ذكره قاطعا به استبعاد اليهود لسرور إبراهيم وفرحه بيومه ، وتصحيحا لصدقه فيما أخبر ولصحة رسالته ، ببيان أن دعوى رسالته ثابتة في نفس الأمر ومقررة سابقا وأزلا في علم الله القديم .و قد ورد مثل ذلك في ألفاظ خاتم المرسلين سيدنا محمد حيث قال: (كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد) والحديث صحيح وينظر إلي (السلسة الصحيحة) للألباني (4: 471) رقم (1856) وأخرجه الإمام أحمد (4:66) .
قول المسيح: أَنْتُمْ مِنْ تَحْتُ. أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. وَأَنَا لَسْتُ مِنْهُ
قالوا: ففي هذا النص أكد اختلافه عنا نحن البشر وأنه ليس من هذا العالم المادي بل هو من فوق وأنه نزل إلى الأرض من السماء ، فكل هذا يدل على أنه إلهٌ نزل وتجسَّد.