إذن فالوحدة هنا ليس المقصود منها معناها الحرفي ، أي الانطباق الذاتي الحقيقي ، وإنما هي وحدة مجازية أي الاتحاد بالهدف والغرض والإرادة ، وهذا ظاهر جدا من قوله (ليكونوا هم أيضا واحدا فينا) وقوله: (ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد ، أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد) ، حيث أن المسيح دعا الله تعالى أن تكون وحدة المؤمنين الخلَّص مع بعضهم البعض مثل وحدة المسيح مع الله ، ولا شك أن وحدة المؤمنين مع بعضهم البعض وصيروتهم واحداً ليست بأن ينصهروا مع بعض ليصبحوا إنساناً واحداً جسماً وروحاً !! بل المقصود أن يتحدوا مع بعضهم بتوحد إرادتهم ومشيئتهم ومحبتهم وعملهم وغرضهم وهدفهم وإيمانهم...الخ أي هي وحدة معنوية ، فكذلك كانت الوحدة المعنوية بين الله تعالى والمسيح .
ويؤكد ذلك أن المسيح دعا الله تعالى لوحدة الحواريين المؤمنين ليس مع بعضهم البعض فحسب بل مع المسيح ومع الله تعالى أيضاً ، بحيث يكون الجميع واحداً ، فلو كانت وحدة المسيح مع الله هنا تجعل منه إلهاً ، لكانت وحدة الحواريين مع المسيح ومع الله تجعل منهم آلهة أيضا!! وللزم من ذلك أن المسيح يدعو الله تعالى أن يجعل تلاميذه آلهة ، وخطورة ذلك - كما يقول الإمام أبي حامد الغزالي - ببال من خلع ربقة العقل ، قبيح ، فضلا عمن يكون له أدنى خيار صحيح ، بل هذا محمول على المجاز المذكور ، وهو أنه سأل الله تعالى أن يفيض عليهم من آلائه وعنايته وتوفيقه إلى ما يرشدهم إلى مراده اللائق بجلاله بحيث لا يريدون إلا ما يريده ولا يحبون إلا ما يحبه ولا يبغضون إلا ما يبغضه ، ولا يكرهون إلا ما يكرهه ، ولا يأتون من الأقوال والأعمال إلا ما هو راض به ، مؤثر لوقوعه ، فإذا حصلت لهم هذه الحالة حسن التجوز .