يعترف جُلُّ المؤرخين المسيحيين ، أن هذا الاعتقاد بإلهية المسيح لم يصبح عقيدة مستقرة وسائدة بين المسيحيين إلا بعد انقضاء عهد الحواريين وعهد التلاميذ الأوائل للمسيح عليه السلام ، أي بعد انقضاء قرن على الأقل على انتقال المسيح ورفعه ، أما قبل ذلك ، أي في القرن الأول لبعثة المسيح ، فكانت مذاهب الناس في المسيح لا تزال متشعبة ، فغالبية اليهود المعاصرين له أبغضوه وأنكروا رسالته من الأساس واعتبروه ساحرا ودجالا - حاشاه من ذلك - وصرفوا جهودهم لمحاربة أتباعه والقضاء على دعوته ، وفي المقابل آمن به عدد من يهود فلسطين ممن تجرد لله تعالى وكان تقيا مخلصا ، ورأوا فيه المسيح المبشر به في الكتب المقدسة السابقة ، ومن هؤلاء الحواريون ، الذين تدل كتاباتهم ورسائلهم أنهم كانوا يرون في المسيح نبيا بشرا ، ورجلا أيده الله تعالى بالمعجزات الباهرة ليرد الناس إلى صراط الله الذي ضلوا عنه وابتعدوا عنه ، وليعلن بشارة الله تعالى بالرحمة والغفران والرضوان للمؤمنين التائبين... كما وجد في ذلك القرن الأول وما بعده يهود تشبعوا بأفكار الفلسفة اليونانية سيما الأفلاطونية الحديثة منها وتشربت بها قلوبهم فنظروا للمسيح ولارتباطه بالله عز وجل بمنظار ما كانوا مشبعين به من تلك الفلسفة حول الإلهيات ، وما تعلمه حول"اللوجوس"أي العقل الكلي الذي ترى فيه أول ما فاض عن المبدأ الأول - أي الله - فاللوجوس هو الوسيط بين الله في وحدته وبساطته المتناهية وبين العالم المتكثر ، وبه وفيه خلق الله العالم والكائنات.... فطابقوا بين المسيح واللوجوس ، وكل هؤلاء كانوا يرون المسيح مخلوقاً لِلَّه ، فلم يقولوا بإلهية المسيح ولا ساووه مع الآب في الجوهر.