فأما فضيلة الأبداء لهم، وإذا كان هكذا أن علم كل دين وشريعة فإنما يكون جمعية عند النبي المبعوث بها، ويتفرق في الدين يأخذون عنه فلا يؤخذ عند كل واحد من الناس إلا بعضه.
وتمت هذه الأقسام أربعة عشر، فبلغت خصائص النبوة فيما مرجعه إلى العلم ستة وأربعين جزءاً من النبوة، ما واحد منها إلا ويليق به أن يكون قريباً للرؤيا الصالحة التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والله بما أراد رسوله عليه السلام.
(فصل)
إن قال قائل: أتقولون إن آمن بالله وحده ثبت له أصل الإيمان، وإنما يحتاج إلى الإيمان برسوله لاستكمال الإيمان، واستيفاء شعبه!
قيل له: لا نقول ذلك، بل نقول: إن إيمانه بالله لا يغنيه شيئاً ولا يثبت له ديناً حتى يؤمن برسله.
وحجة ذلك أن الله تعالى نص على أن التفريق بين الله ورسله كفر، لأنه قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} .
فأبان أن الفرق في الإيمان بين الله ورسله كفراً، والفرق بين رسله في الإيمان بهم كفر.
فأما إيجاب الكفر بالتفريق بين رسل الله، فقد ذكرت وجهه، وأما التفريق بين الله ورسله، فإنما كان كفر بالله، لأن الله - عز وجل - إنما فرض على الناس يعبدونه بما شرع لهم في ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل، ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودة التي أمروا بالتزامها، فنزل ذلك منهم منزلة جحد الصانع، وجحد الصانع، كقولنا فيه من ترك التزام الطاعة، فكان ذلك كفر.
فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ} .
فأثبت الإيمان لهم أولاً ثم أمرهم بالإيمان بالرسل، فصح أن اسم الإيمان بالإطلاق واجب لمن آمن بالله وحده؟
قيل: لو دلت هذه الآية على أن اسم الإيمان يجب من غير وجود الإيمان بالرسل لدل على أنه يجب من غير وجود الإيمان بالله تعالى، لأنه كما أمر الذين آمنوا أن يؤمنوا برسل الله، أمرهم أولاً أن يؤمنوا بالله فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .
أي اجمعوا إلى الإيمان برسوله، فإن الإيمان به غير متقبل منكم إلا أن تضموا إليه الإيمان برسوله.