وأما رجوعه إلى معنى الإيمان فيه فلان القبول عن رسول الله قبول عن الله، والطاعة طاعة لله عز وجل، إذا كان الله هو المعبود دون رسوله، وهو المرغوب إليه، والمرهوب منه دون من سواه، فمن ثبت إنه رسوله وجبت الطاعة لأوامره لأنها أوامر المرسل الذي تجب طاعته شكراً للنعمة التي أولاها الإِبداع والإِخراج من العدم إلى الوجود ثم الحياة ثم العقل ثم البيان، واجلالاً له عن أن يعصى، وهو المالك الذي لا يد فوق يده ولا مانع يرده بوعيده والإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، وأن في الجملة تصديقه في الرسالة على الوجه الذي يذكره ويصفه، وانه يتفرع ويتشعب فروعاً وشعباً:
ومنها أن يلهم الله تعالى واحداً منهم بالكلام يسمعه على شيء فيجده في نفسه من غير موصل يقدمه إلا منه إليه بحس واستدلال.
ومنها أن يوحى إليه على لسان ملك فيراه فيكلمه كما يكلم واحداً من البشر صاحبه فيقع له العلم بما يسمعه منه.
ومنها يأمر الملك فينفث في روعه كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - إنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي: فإن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجعلوا في الطلب» .
وهذا هو الوحي الذي يخص القلب دون السمع وفي كتاب الله عز وجل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} .
وقال الله عز وجل: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ} .
وذلك - والله أعلم - أن ينفث الملك في روع المؤمن من الإطماع في الظفر بالعدو، والرغبة في الثواب والأجر والاتكال من القرار، فيحمله ما يجده في قلبه من هذه المعاني في الثبات ويزول عنه ما يوسوس به الشيطان من التخويف والإِحباط من الظفر، والحمل على اغتنام السلامة بالرجوع إلى الأهل، إذا كان الملك ينفث في روع كل مؤمن.
فما الفرق بين النبي وبين من دونه؟
قيل له: لا ينفث في روع من دون النبي - صلى الله عليه وسلّم - علم الأحكام ولا الكوائن والحوادث المستقبلة، والوعد، وإنما ينفث في روعة ما تقدم ذكره وما يشبهه فيكون ذلك مداد للتوفيق يدرأ به عنه وساوس الشيطان عن صدره والله أعلم.