ويقرر عقب هذه اللمسة أنهم يخادعون الله {وهو خادعهم} .. أي مستدرجهم وتاركهم في غيهم ؛ لا يقرعهم بمصيبة تنبههم ؛ ولا يوقظهم بقارعة تفتح عيونهم.. تاركهم يمضون في طريق الهاوية حتى يسقطوا.. وذلك هو خداع الله - سبحانه - لهم.. فالقوارع والمحن كثيراً ما تكون رحمة من الله ، حين تصيب العباد ، فتردهم سريعاً عن الخطأ ؛ أو تعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.. وكثيراً ما تكون العافية والنعمة استدراجاً من الله للمذنبين الغاوين ؛ لأنهم بلغوا من الإثم والغواية ما يستحقون معه أن يتركوا بلا قارعة ولا نذير ؛ حتى ينتهوا إلى شر مصير.
ثم يستمر السياق يرسم لهم صوراً زرية شائنة ؛ لا تثير في قلوب المؤمنين إلا الاشمئزاز والاحتقار:
{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس. ولا يذكرون الله إلا قليلاً} فهم لا يقومون إلى الصلاة بحرارة الشوق إلى لقاء الله ، والوقوف بين يديه ، والاتصال به ، والاستمداد منه.. إنما هم يقومون يراءون الناس. ومن ثم يقومون كسالى ، كالذي يؤدي عملاً ثقيلاً ؛ أو يسخر سخرة شاقة! وكذلك هم لا يذكرون الله إلا قليلاً.
فهم لا يتذكرون الله إنما يتذكرون الناس! وهم لا يتوجهون إلى الله إنما هم يراءون الناس.
وهي صورة كريهة - ولا شك - في حس المؤمنين. تثير في نفوسهم الاحتقار والاشمئزاز ، ومن شأن هذا الشعور أن يباعد بينهم وبين المنافقين ؛ وأن يوهن العلائق الشخصية والمصلحية.. وهي مراحل في المنهج التربوي الحكيم ؛ للبت بين المؤمنين والمنافقين!
ويستمر السياق في رسم الصور الزرية المنفرة:
{مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} ..