فلو رأيت إنساناً يقضي حاجة وآخر يتقيأ الطعام ، فالنفس تتقزز من الذي يتقيأ أكثر مما تتقزز من الذي يقضي حاجته ؛ لأن"الترجيع"يخرج طعاماً خرج من شهوة المضغ والاستمتاع. ولم يصل إلى مسألة التمثيل.
ولذلك نسمع المثل"كل ما فات اللسان صار نتان". و"الرِّكس"هو الرجيع الذي يرجعه الإنسان بعد الطعام قبل أن يتمثله. فالطعام بعد أن يتمثل ويخرج من المكان المخصص له يصبح روثاً ، وغائطاً وبرازاً. والحق سبحانه وتعالى قد جاء بالكلمة التي تصفهم: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي أنهم ارتدوا من قبل أن ينتفعوا بأي شيء من الإيمان.
هذا هو التعبير القرآني الذي جاء بالعبارة التي تؤدي هذا المعنى ، وتؤدي إلى نفرتنا منهم ، فيكون الإركاس هو الرد ، وهل هو مطلق الرد ، أو رد له كيفية ؟ هو رد بإهانة أيضاً ، كيف ؟ لأن الشيء إن كان قوامه أن يقف رأسياً ، يكون الركس أن تجعل رأسه في مكان قدمه وقدمه في مكان رأسه. وعلى ذلك فالرد ليس رداً عادياً بل إنّه رد جعل المردود هُزُواً. وإن كانت استقامة الأمر على الامتداد الطولي ، يكون الركس بأن تأتي بما في الخلف إلى الأمام ، وبما في الأمام إلى الخلف ، فتقلب له كيانه ، وتعكس حاله.
والقرآن يصف الكافرين والمنافقين:
{ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ} [الأنبياء: 65] .
لماذا ، لأن الرأس مبنيٌ على القامة والهامة والارتفاع. هذا الرأس يُجْعلُ مكان القدم ، والقدم يكون محل الرأس. إذن فقوله: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي لم يردهم مطلق الرد ، بل ردّهم ردا مهيناً ، ردّاً يقلب أوضاعهم.
{وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} إذن فلا يقولن أحد: ما دام الله قد أركسهم فما ذنبهم ؟ إن الله قد أركسهم {بِمَا كَسَبُوا} ، فهم كانوا فاعلين لا منفعلين.