أتته حرقة بنت النّعمان بن المنذر، في جوار كلّهن مثل زيّها، يطلبن صلته. فلمّا وقفن بين يديه، قال: أيّتكنّ حرقة؟ قلن: هذه. قال لها: أنت حرقة؟ قالت:
نعم، فما تكرارك استفهامي [1] ؟ إنّ الدنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال، إنّا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلينا خراجه [2] ، ويطيعنا أهله زمان الدّولة، فلما أدبر الأمر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا، وشتّت ملأنا. وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس من قوم بسرور وحبرة إلّا والدهر معقبهم حسرة! ثم أنشأت تقول:
فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا ... البيتين
فقال سعد: قاتل الله عديّ بن زيد، كأنه ينظر إليها [3] حيث يقول [4] :
إنّ للدّهر صولة فأحذرنها ... لا تبيتنّ قد أمنت السّرورا
قد يبيت الفتى معافى فيرزا ... ولقد كان آمنا مسرورا
وأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه، قالت له: حتّى أحيّيك بتحية أملاكنا بعضهم بعضا: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زال الكريم عندك حاجة، ولا نزع من عبد صالح نعمة إلّا جعلك سببا لردّها عليه! فلما خرجت من عنده تلقّاها نساء المصر، فقلن لها: ما صنع بك الأكير؟ قالت [5] : (الخفيف)
حاط لي ذمّتي وأكرم وجهي ... إنّما يكرم الكريم الكريم
انتهى نقله من شرح أبيات المغني للسيوطي [6] .
ونسب ابن الشجري في «أماليه» هذين البيتين إلى هند بنت النعمان بن المنذر.
(1) أرادت معنى سؤاله عنها مرتين.
(2) في النسخة الشنقيطية: = يجيء إلينا خراجه =.
(3) في شرح شواهد المغني ص 246: = كأنه كان ينظر إليها =.
(4) البيتان لعدي بن زيد العبادي في ديوانه ص 64، من قصيدة قالها في سجنه، يذكر فيها النعمان بأنه سجين.
(5) ورد هذا البيت في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية منثورا. وهو من بحر الخفيف. ولقد أشار محقق طبعة هارون لذلك في حاشيته 7/ 69.
(6) شرح شواهد المغني للسيوطي ص 247246.