لكنك يجب أن تقوم بعملية تربية للشعب كما تحنو على ابنك الصغير وعلى أهلك لما تربيها خطوة خطوة= يجب كذلك أن يكون هناك عناية بتربية الناس، وهذا أصبح له كتب ويدرس الآن اسمه"علم النفس الجماعي"، ولا بأس أن تقرأوا في كتب"علم النفس الجماعي"، وكذلك يجب أن تقرأوا في كتب"توجيه الرأي العام"، وكذلك كيف تكسب قلوب الجماهير، عندنا هنا في المكتبة بعضها.
وكذلك كيف تسوس الجماعة، لأن الجماعة لها شخصية اعتبارية وتقاد مثل ما يقاد الشخص، لأنه إذا استفحل الجبن في جزء من الجماعة= تجد أنه قد انجر لكل الجماعة، فتتصور الجماعة كشخص جبان، وتذوب فيها المبادرات الشجاعة، وكذلك العكس لو استفحت الشجاعة في جزء تجر باقي الجماعة إليها، فالجماعة تتصرف كشخص، وأنت يمكنك أن توجه الجماعة من خلال عملية تربية نفسية جماعية.
يجب أن يكون هناك عناية كبيرة جدا في بداية الثورة بالجماهير، وبالمسلمين في أجهزة الدولة، ويكون الترفق بهم، مع ملازمة الصرامة في النهايات وعدم التميع، وإعطاء كل حالة حقها في البداية والنهاية، حتى لا نصاب بالإفراط أو بالتفريط.
يقول:
[فبدون رضاء الشعب ومساعدته الفعالية، يتحول رجل العصابات إلى قاطع طريق، ولا يبقى طويلًا على قيد الحياة] .
وأمامك نموذج الجزائر، تحول رجل العصابات إلى قاطع طريق، ولا يبقى طويلا على قيد الحياة، لانقطاع شرايين الإمداد البشري، هم ستون قُتل منهم صاروا خمسين، قُتل منهم صاروا أربعين، ليس هناك إمداد أو إيواء أو إخفاء أسرار أو مساعدة، لا تجديد فينقرض في النهاية، وقد يبلغ الأمر أن يساعد العدو عليك، في دلالة الدولة عليك= فتنقرض.
فيقول:
[ولو استطاع الجندي المضاد للعصيان أن يحصل على المساعدة نفسها، لما وُجد رجل العصابات أصلًا، لما كانت هناك حرب أو ثورة، ولنامت القضية، وانطفأت الرغبة الشعبية في التغيير الجذري] .
هذا تفسير جميل لدور الشعب في موضوع حرب العصابات، لأن الشعب إذا لم تبلغ حرارته الثورية أن يحقد على هذا الرجل= لما وجدت الثورة أصلا.
ثم يقول:
[وهكذا نصل إلى المسألة الجوهرية الخاصة بالأهداف التي يبني المعسكران عليها بالضرورة، تكتيكيهما واستراتيجيتيهما. فرجل العصابات، هو قبل كل شيء داعية، ومحرض، وباذر للأفكار الثورية، وهو يستخدم الصراع نفسه -القتال المادي- كأداة للتحريض] .
فحتى القتال المادي والعمليات المقصود منها هو التصعيد النفسي والتعبئة، أكثر مما هو مقصود منها إنهاك النظام عسكريا، لأن حرب العصابات لا تنتهي بسحق عسكري، العصابات لا تسحق قوات الدولة وتقضي عليها نهائيا بعملية إبادة عسكرية، لم يحصل هذا في التاريخ، ولا يحصل الآن، إلا عندما تتحول ضد الغزات الخارجية، أي أن تمتلك العصابات الجيش والسكان ضد جيش غازي، فيكون السحق فعلا، كما حصل في فيتنام ضد القوات الفرنسية ثم ضد القوات الأمريكية، وهنا كما حصل ضد الروس، ومع ذلك المجاهدون الأفغان لم يسحقوا القوة العسكرية الأساسية للنظام الشيوعي، ولا سحقوا القوة العسكرية الأساسية للروس.
بل الذي أخرج الروس هو نفس القاعدة الأساسية: عملية الإنهاك المتواصل، ووصول مصاريف الحرب في الإنفاق على حكومة كابل مليون إلى مليون ونصف دولار في اليوم، في الوقت الذي كان فيه الروس